قصة قصيرة
الطائر المجروح
نشأ إبراهيم في قرية ريفية ، يسودها الهدوء و السكينة... لم يلتحق بالمدرسة في سنوات عمره الأولى... كان يساعد أباه في الضيعة التي كان يقتصر فيها على مغروسات معاشية، و برسيما للبقرة اليتيمة، و الذابة التي كان يتنقل عليها.
في يوم مطير، تجمعت الأسرة حول مدفأة خشبية ؛ يحتسون حريرة دافئة تقيهم من القر الشديد... يحكون قصصا مرعبة حول جني الترعة الذي يسكن أجساد أهل القرية، و يرفض الخروج منها رغم مهارة الفقهاء... و قصصا حول " بغلة القبور" وهي كل امرأة مات زوجها ، و لم تحترم العدة ، و أقامت علاقات عاطفية... تمسخ و تتحول الى جنيبة ، تجر السلاسل ، و تجوب الدروب بالليل... الجميع يدخل الى البيت قبل حلول الظلام تجنبا لمصادفتها.
فجأة شعر الأب بضيق التنفس ، و بدأ الزبد يخرج من فمه ... فارق العم شعبان الحياة معتقدين أن الأرواح الشريرة التي تجوب القرية كانت وراء موته... احتضنت الأم ابنها و تحملت مسؤوليات البيت و خارجه... تعهدت الضيعة و الحظيرة... قست عليها الحياة ؛ ثم هاجرت رفقة ابنها إبراهيم الى المدينة بحثا عن العيش الكريم... جمعت ما تيسر من الملابس القديمة، و الأثاث المهترئة ... حملت الرزم، و امتطت القطار، متوجهة نحو المجهول... كان إبراهيم سعيدا بالرحلة و هو يمتطي القطار أول مرة... كل شيء بالنسبة اليه جديد، القطار ، المناظر الطبيعية ، الحقول ، ينظر يمينا و يسارا... يشير بأصبعه... يهمس في أذن أمه... بينما كانت زينب أمه خائفة ، تتزاحم الأسئلة في ذهنها... تحاول أن تتخلص من المونولوج الطويل الذي خيم عليها طول الطريق، لكن دون جدوى.
وصل القطار الى مدينة طنجة ... نزلا... و طفقا يتبادلان نظرات شاردة... تدل على عدم استيعاب قرار الهجرة؛ لكن الأم كانت تدرك أن السفينة أبحرت بها و ما عليها إلا أن تمضي... من خلال هيئتهما ، كانا يبدوان بدويين فقيرين...
لم يكن إبراهيم يكترث لما يجري... كان لا يزال صغيرا ، مهتما باللعب ، كثير الحركة ، ما زاد من متاعب أمه... خرجا من محطة القطار و ابتعدا عن صخب المسافرين ... توجهت الأم نحو دكان لبيع السلع الغذائية ؛ سألت صاحبه الحاج حسن على مكان للكراء يأويهما... أظهر الحاج اهتماما زائدا بالموضوع... قفز... أغلق الدكان ... صاحبهما إلى بيت قديم مهجور في حارة قديمة... و للتو اقترح عليها العمل معه كمنظفة ، و مرتبة للسلع على الرفوف... قبلت زينب العرض دون شروط ...
في الغد التحق إبراهيم بمدرسة ... كان سعيدا و هو يتأبط محفظته و يتوجه في أول يوم يستنشق فيه المعرفة... تعرض إبراهيم لمضايقات أصدقائه في الصف و من استهزاء أستاذه الذي كان قليل الخبرة ، و عديم المعرفة ببيداغوجيات التدريس... لكنه كان قد رضع الصلابة البدوية ،لم يكترث، ولم يتراجع...
كانت وجنتاها تحمر من شدة الحشمة والوقار... لكن تظل في الأخير امرأة كباقي النساء تتقن قراءة لغة الجسد... لاحظت النظرات التي كان يسرقها الحاج المعطي و هو يتجاهل طلبات الزبائن ، و تأكدت عندما اقتنى لها ثوبا جديدا، و طلب منها تنظيف جسدها ، و قدم لها دعوة لتناول و جبة عشاء على كورنيش المدينة ...
كانت زينب في الثلاثين من عمرها ، و الجمال يعلو محياها... لم تستطع مقاومة تيار الحاج الجارف ، و استسلمت لعلاقة جديدة ، تكللت بالزواج .
كان الزواج بمثابة صدمة بالنسبة لإبراهيم و هو في سن المراهقة ... تنام أمه في حضن رجل غريب ...اعتقد أنها تخلت عن آصرة الأمومة التي كان واثقا منها ... و تخلت عن أبيه العم شعبان، و لم تبق و فية للعهد... و مع ذلك تابر إبراهيم ، تدرج في دراسته، تفوق على أقرانه، حصل على الباكالوريا... استفاد من منحة أحد المحسنين لمتابعة الدراسة في فرنسا.
عالم جديد... انتقال رحب... أحلام كبيرة تبدو في الأفق تفوق الخيال، و تتجاوز الطموح... التحق إبراهيم بجامعة تعليمية بمدينة باريس؛ قسم الفلسفة؛ شعبة علم الاجتماع كاستجابة لميولاته النفسية و الثقافية... كانت الجامعة تعج بالطلبة من مختلف الجنسيات ... هناك، تعرف على شابة من أصل كوبي اسمها مارينا ... كانت فاتنة ، منفتحة، تشرب السجائر، و تتناول الكحول، تحيي السهرات يوم السبت مع أصدقائها في أكثر الفنادق فخامة ... رغم كل ذلك أحبها بشغف... لم يكن يعلم أن رفيقته الحسناء تتاجر في مخدر الهروين إلا بعد أن داهم الأمن بيتهما معتقلين إياها... حكمت مارينا بخمس سنوات نافدة... تردد على زيارتها في السجن... تعجب مما حدث لأنه كان يعتقد أن الطلبة نخبة مثقفة لا تتاجر في الممنوعات ... و كونه محاطا بكثير من الفتيات؛ طور علاقة جديدة مع طالبة فرنسية تنشط في الحركات الطلابية ... تنتمي الى الفاصل الذي ينتمي الى حزب اليمين المتطرف ... يكره المهاجرين؛ و يتخوف من الإسلام و المسلمين...
في مقصف الجامعة، حيث كان الطلبة يطالعون، و يتناولون الشاي و المشروبات ؛ كان إبراهيم و صديقته كاترين قد دخلا في نقاش حاد... سألها...
- تكرهون العرب ... لماذا؟
- ضايقتمونا في جامعاتنا ، و في فرص عملنا.
- عذرا صديقتي؛ البعثاث الطلابية قديمة الوجود و تدخل في سياق المثاقفة بين الشعوب، أنتم أيضا تبعثون بطلابكم ليتعلموا اللغة العربية ... أكثر من هذا هناك علماء مستشرقون أجادوا اللغة العربية ... قرأوا بها ، و كتبوا بها مؤلفات مهمة ... و لا أرى ضيرا في ذلك ... بل هو انفتاح على الثقافات ؛ و تقارب بين الشعوب ، و فهم لخصوصياتها من أجل إحلال السلام بينها... أما عن فرص العمل ؛ فلا وجود لأمة اعتمدت على خالص مجهودها في التنمية . كل بلاد العالم تحتاج إلى خبرات، كفاءات ، كوادر للنهوض بالاقتصاد و الرفع من التطور العلمي و التقني و المعرفي ...إن الثورة الفرنسية نهلت من الثقافة العربية... و الحضارة اليونانية ساهمت يوما في بناء الشخصية الثقافية في المجتمع العربي... و قد ساهمت الجاليات العربية في كثير من الدول الأوروبية في مجال التنمية...
تجيب كاترين.
- نعم ، لكنكم تبقوا حبيسوا ثقافتكم مما يصعب من عملية اندماجكم في مجتمعاتنا...
- عجبا
تقاطعه؛
- و ما العجب في ذلك...
- أفهم أنك تريدين استلابنا و ليس اندماجنا... أنت فرنسية كاثوليكية، وأنا عربي مسلم، و مع ذلك علاقتنا تنمو دون عقدة من الدين أو الأصل ... صحيح، كان الاندماج صعبا بالنسبة للجيل الأول الذي التحق بأروبا في السبعينات ؛ و كان عائقهم في ذلك جهلهم للغة... أما اليوم فإن راعايا الدول العربية و الإسلامية نخب مثقفة و عالمة؛ يرجع ذلك لسياسة الهجرة المنتقاة التي بدأت حكوماتكم تنهجها من أجل استنزاف علمائنا و مقدراتنا اللامادية...
- دعنا من هذا ؛ و تعالى نقضي لحظات حميمية في حديقة الأمراء.
تحرر إبراهيم كثيرا و نضج فكريا و ثقافيا... بدأ يتخلص تدريجيا من أبيسيته ، و من موقفه السخيف من زواج أمه بعد موت أبيه ... أدرك أن زواجها كان طبيعيا و استجابة لحاجة ابيولوجية و عاطفية وانسانية ؛ و أنها فعلت ذلك لتضمن لها و له عيشا كريما...مر على زواج أمه و هجرته خمس عشرة سنة ... حمل هاتفه في ارتباك، ركب رقم أمه الذي لم يتصل بها منذ هجرته الى فرنسا... بدأ الهاتف يرن ... سمع صوت أمه تجيب .
- ألو ، ألووو من يتحدث؟
لم يجرؤ على المكالمة ، ارتبك ارتباكا شديدا ... قطع الخط... وطفق يبكي ... تمالك نفسه من جديد ثم عاود الاتصال... بصوت مبحوح و متقطع كمن يجد صعوبة في نطق أصوات اللغة...
- أأأ ألو
- من أنت ؟
- أأأ أنا إبراهيم...
تحركت عواطف الأم ... تذكرت العم شعبان، و حياة القرية الريفية،و يوم الهجرة... اختلطت عليها الأمور... بدأت تبكي لشدة الشوق ... حاولت أن تتمالك قليلا ؛ ثم سألت
- حدثني يا بني كيف حالك؟
- أأنت بخير؟
- لك وحشة كبيرة يابني ... متى ستزورنا؟
- في العطلة الصيفية ...
- سأكون في انتظارك بالمطار... مع السلامة...
جاء الصيف ... توجه إبراهيم إلى بلده الأصلي ... وجد في استقباله الحاج المعطي الذي بدت عليه علامات الشيخوخة و توأم من ذكر و أنثى لا يتجاوز عمرهما تسع سنوات على أكبر تقدير ... سأل
- أين أمي ؟
كانت الصدمة كبيرة حينما أخبره الحاج أنها فارقت الحياة قبل أسبوع... بكى أمه التي لم يكتب له أن يعانقها بعد طول غياب... ,و أن الطفلين أخواه من الأم ... عانقهما عناقا حارا ... و بكى موت أمه ... زار قبرها ... كلله بالزهور ...
بعد أيام ، بعث برسالة الى كاترين يخبرها أنه سيستقر في بلده ، و سيعمل مدرسا بالثانوي ، استجابة لنداء الوطن... وقدم لها دعوة لزيارته.
بوعزة القدوري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق