تكامل الإيمان
أبدع الإنسان في كل شيء في الحياة ، ووصل إلى مراحل في التطور والتقدُم ، فمنذُ كانَ إنسانا بدائياً إلى أن وصل إلى ما وصل إليه من رُقيٍّ وإبداع ، ومن أعظم اختراعاته الحاسوب ( الكومبيوتر ) وكذلك الهاتف النقال – الهاتف الخلوي – فبهما أصبح العالم كقرية صغيرة يُمكن بكبسة زرٍ أن تتصل مع أي إنسان في أقصى المعمورة ، وحتى لو كنت على سطح القمر كرواد الفضاء فيكون من السهل التواصل مع الأرض ، وهذان الجهازان يتكونان من صندوق الحاسوب- الجسم - الذي هو ال ( Case ) واللوحة الأم ( Mother board ) والتي وظيفتها توفير الإتصال مع وحدة المعالجة المركزية – الدماغ – ( Central processing unit) والحاسوب أو التليفون لا فائدة منهما بدون اللوحة الأم ووحدة المعالجة المركزية ، والسؤال الذي يطرحُ نفسه هو ، هل كان من الممكن للإنسان أن يصل إلى كُل ذلك التقدم وإلإبداع ، إلا بمن أبدع بخلق السموات والأرض وكل شيءٍ في الكون ، وكيف للإنسان أن يُبدع في الصناعات والإختراعات ، وما وصل إليه من تطوّرٍ في الحضارة إلا بتكريم الله عزَّ وجلَّ له عن باقي المخلوقات ، إذ منحهُ عقلاً راجحاً للتفكير ، وليُميِّزبه بين الأشياء من خبيثها وطيبها ، وقبل أن يهبه العقل فقد كان خلقه من تُرابٍ ، ثُمَّ نفخ فيه من روحه ، وجعل الملائكة تسجُدَ لهُ تكريماً وتعظيماً ، قال تعالى في سورة الحجر [ الاية 28-30 ] : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ(28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ(29) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(30) } وهذه الآية الكريمة تُبيُّن أن الله خلق آدم من الجسد الذي هو النفس ثُمَّ نفخ فيه من روحه ، فخرَّ الملائكةُ سُجَّداً لعظمة خلقه ، وتكريماً لهذا الإنسان الذي خلقه الله تاماً ومتناسب الأعضاء وفي أحسن هيئة وأعدل قامة ومنحهُ العقل للبحث والتفكير وتمحيص الأمور ، قال تعالى في سورة التين [ الآية-4 ] : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } وعليه أن يشكُر الله على نِعمه التي أنعمها عليه ، فلولا عظمة الله وبديع صُنعه بخلق الإنسان لما وصلنا إلى ما نحنُ فيه من تطور وتقدم وحضارة .
مما سبق ذكره فإن صلة البشر بين بعضهم البعض هو الهاتف أو الحاسوب ، ولكن كيف تكون صلة الوصل بين الإنسان والله عزَّ وجلْ ؟ فأقول إنها الروح ، فما هي الروح ؟
الروح : هي صيغة مصدر لمعاني جذرها اللغوي ( ر، و ، ح ) لكُلِّ معاني الكلمة المتفرعة منها ( راح – يروح- روح ) وهي خلق من أعظم مخلوقات الله شرَّفها الله وكرَّمها غاية التشريف والتكريم ونسبها لذاته العلية في كتابه القُرآن الكريم الذي هو روح الله ، وهي تعني الصلة والمدد والقُربى من الله تعالى، ويقول عزَّ وجلْ في سورة يوسف[ الآية-87 ]:
{ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } وهنا تعني الصلة والتقرُّب من الله عزَّ وجلْ ، ولا تعني كما يُفهم أنها سرُّ الحياة في جسم الإنسان ، فالكافر يوجد فيه سِرُّ الحياة ، لكنه يفتقد صلة التقرُّب من الله عزَّ وجلْ ، ويؤكد ذلك في سورة الواقعة في الآيات الكريمة [ 88-89 ] : {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ(88)فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ(89) } وكذلك في سورة المجادلة [ الآية-22 ] : { لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ } ففي هذه الأية الكريمة أمدَّ الله عزَّ وجلْ المؤمنين به بروحٍ منه أي قربهم بالصلة منه ، ولا تعني أنه أعطى جسدهم قوةً وبُنياناً . الله عزَّ وجلْ عندما أنزل القُرآن على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم ، أنزله بواسطة جبريل عليه السلام وهو الروح الأمين ، أي الذي ينقل كلام الله إلى رسوله الكريم ، قال تعالى في سورة النحل [ الآية -2 ] : { يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ } وهنا القصد بالروح هو كلام الله الذي أنزله مع جبريل عليه السلام ، وهذا الكلام هو القُرآن وهو روح الله ، وهو الصلة بين الله عزَّ وجل وعباده المؤمنين ، أما الكُفار الذين لا يؤمنون بالله فلا صِلة لهم بروح الله والمدد من عنده ، لأنهم يفتقدونها لبعدهم عنها ، لأن أنفسهم سوَّلت لهم الكُفر ، ولا يكون لهم ذلك ، إلا بعودتهم للقرآن الكريم الذي هو صلة الوصل مع الله عزَّ وجلْ ، قال تعالى في سورة الشورى [ الآية – 52 ] : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وفي هذه الآية الكريمة تُبين أنَّ كتاب الله عزَّ وجلْ – القرآن الكريم – الذي هو مُنزَّلٌ من عنده هو الروح من عنده وهو الصلة والمدد الذي يُقربنا إلى الله ، أما الكافر الذي يجحد ذلك ، ولا يؤمن بكتاب الله عزَّ وجلْ فهو يفقد الصلة بينهُ وبين ربِّهِ جلَّ وعلا ، وهذا ما يؤكد أنَّ الروح لا علاقة لها بسرِّ الحياة ، بل هي الصلة بالإيمان ، فمن كان قريباً ومؤمناً بالله عزِّ وجلْ وبكتابه وبرسوله الكريم ، وجد المدد والصلة والقُربى من الله عزِّ وجل ، فالعلاقة بين الروح والنفس المتمثلة بالبدن فبينهما ارتباط بماهية النفس ، فالذات الإنسانية هي الجامعة بين الروح والجسد ، والروح هي جزء لا يتجزأ من الذات الكلية ، فإذا كانت النفس طيبة كانت الروح متصلة ومتقربة منها ، وإذا كانت النفسُ خبيثة ، فالروح ستفقد الإتصال معها ، والنفس تموت قال الله تعالى في سورة آل عمران [ الآية – 185 ] : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ }، ولكن الروح باقية إلى الأبد لأنها نفخةٌ من روح الله وتعود إلى الجسد في حالتين فقط تعود إلى النفس في القبر عند السؤال وتعود إلى أنفسهم يوم القيامة يوم الحساب ولقاء الله عزَّ وجلْ .
ولهذا أيها الإنسان عليك بالإرتقاء الروحي بشفافيةٌ عالية لكي تعلو وترقى وتجعل بصيرتك تُضيء دربك ، وإحساسٌ عالٍ بما يجري حولك ، والإرتقاء الروحي يعني بروحٍ الله التي نُفخت في العبد ، ولتكون أيها الإنسان عبداً روحانياً وتنشغل بمعالي الأمور عن صغائرها وعن فُضول البشر يكون بعودتك إلى القرآن الكريم الذي به سكينة الروح وهدوء النفس ، فلا تُهملوا القُرآن فهو الروح الذي به ترتقي الأنفس وتتنقى مما يشوبها من شوائب وما يُعكر صفوها ، فتعود نفساً صافية من كل ذلك وتعود إلى الله مطمئنة إلى ما قدَّمت في الحياة الدُنيا ، فتكامُل الإيمان يكون بتوافق النفس مع الروح ، قال تعالى في سورة الفجر في الآيات [ 27-30 ] :
{ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً(28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29) وَادْخُلِي جَنَّتِي(30) }
ويبقى عِلم الروح عند الله عزَّ وجلْ ، وما علينا إلا العودة لأنفسنا وربطها بروح الله ، لتكون صافيةٍ نقيةٍ ومطهرةٍ من كل شائبةٍ والتخلُص من متاع الدُنيا الزائل ، قال تعالى في سورة الإسراء [ الآية – 85 ] :
{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
17 / 6 / 2022

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق