🌹قصة قصيرة 🌷
جذور
يحكى أن هناك شجرة عظيمة دائمة الخضرة تنبت في أرض طيبة تقف شامخة في مكانها جذورها ضاربة في العمق أغصانها فارعة كثيفة متشابكة تغطيها أوراق غضة نضرة تحاكي أجنحة الطير أزهارها العطرية تنثر عبيرها في كل الأرجاء بروائح تنعش الأنفس و القلوب ، ثمارها الندية تنافس العسل حلاوة ، كانت تفخر بأنها ملجأ للكثير من الطيور التي اتخذت من أغصانها سكنا ، وبأنها ملاذا لكل من يريد أن يتفيأ ظلالها الوارفة من جميع المخلوقات و تسعد عندما تراهم يقضون أوقاتا سعيدة و هم يستريحون تحتها ، تسمع حكاياتهم ، تفرح لفرحهم و تحزن لحزنهم و كأنها تعانق أرواحهم في تلك اللحظات التي يقضونها في ظلها .
كانت محسودة من جميع الأشجار التي حولها لأنها كانت متميزة عنها بطولها الفارع و ثمارها الطيبة و رائحتها الزكية وكل من وقع عليها بصره ينظر إليها بعين الإعجاب و الإنبهار .
مرت عليها السنين بحلوها ومرها و تعاقبت عليها الفصول و هي تستمتع بحياتها الهانئة و مجدها العظيم ، تراقب كل شيء حولها و كأنها ملكة متوجة ترفل بأبهى الحلل و تطل على رعيتها من عل ، ثابتة مكانها لا تنحني و لا تتأثر لا تهاب شيئا و لا تلقي بالا لتقلبات الجو لشعورها بالأمان و الاطمئنان ،وبأنها تملك القوة لمواجهة أي شيء مهما كان ، و ربما كانت هذه غلطتها الأكبر ، ففي أحد الأيام كشر الطقس عن أنيابه و أعلن عن غضبه بشراسة فلاحت بروقه و زمجرت رعوده و جاء بعاصفة هوجاء و ريح عاتية تأخذ كل شيء في طريقها، جميع الأشجار انحنت و لوت أعناقها و تمترست في الأرض حتى تمر العاصفة عليها بسلام ، أما هي فقد بقيت واقفة بحزم و ثبات ، و تقول في نفسها : انها كغيرها من العواصف التي مرت علي ، وسأبقى ثابتة في مكاني و لن أتزحزح قيد انملة ، و لكن هذه المرة كانت الربح عاصفة و كأنها اعصار و حدث ما لم يكن في الحسبان فقوة الرياح اقتلعت الشجرة من جذورها و أخذت تتقاذفها يمنة و يسرة و تلقي بها هنا و هناك في أماكن بعيدة عن موطنها و مكان نشأتها ، عندها فقط أدركت خطأها الفادح و اسلمت قيادها للريح و ندمت أشد الندم ولات حين مندم ، فقد وقع القدر و لا مناص من تحمل العواقب و الاستعداد لما هو قادم .
بعد وقت ليس بالقليل بدأت قوة الريح تهدأ و تخف حدتهاو بدأت الشجرة تتهيأ لملاقاة مصيرها و ما تخبأه لها الساعات القادمة ، و أثناء ذلك وجدت نفسها تسقط في حفرة صغيرة فما لبثت أن غرست جذورها في الأرض و تشبثت بكل قوتها كي تثبت مكانها ، و بعد ساعات من المقاومة سكنت الريح و استقرت الشجرة في مكانها الجديد ، فتنفست الصعداء و راحت تلم شتات نفسها ، تفقدت أجزائها فوجدت أغصانها قد تكسرت و خلت من الأوراق الخضراء الجميلة الا القليل القليل ، و تبعثرت ثمارها في كل الأرجاء و لا أثر لأي زهرة من أزهارها ، و لكن لا بأس فقد وقفت من جديد و ستحاول بكل قوة استرجاع ما فقدت في هذه المحنة .
مرت الأيام عليها ثقيلة كئيبة تصارع غربتها و حنينها لموطنها فلا الأرض كالأرض و لا الماء كالماء ولا الهواء كالهواء .
في البداية مدت الشجرة جذورها بحثا عن الغذاء و الماء للتشبث بأسباب الحياة ، لم تستسغ طعم التربة الجديدة ولكنها تقبلتها على مضض فلا سبيل أمامها سوى القبول ، كانت تربتها الأم خصبة طرية و الغذاء طيب وفير و ماؤها عذب نمير تنهل منه متى شاءت و له طعم مميز يملؤها سعادة و يمنحها قوة و نضارة لا مثيل لها ، أما التربة الجديدة فهي أقرب للصحراء لونها اصفر يوحي بالجفاف مما زاد كآبتها كآبة ، و أضاف الى حزنها حزنا أكبر .
أثناء رحلتها المضنية كان هناك بعض التراب العالق في جذورها من موطنها القديم ، كانت تستشعر طعمه بين الحين و الآخر فيمنحها شعورا بالسعادة المشوبة بالشوق و الحزن ، و بعد فترة بدأ ذلك التراب يختلط مع التربة الجديدة و يفقد طعمه المميز شيئا فشيئا فزاد من غربتها و حزنها لأنها فقدت آخر شيء يربطها بماضيها الجميل و أيامها السعيدة و حياتها الهانئة ، فبدأت أوراقها تذبل و تسقط و أخذ جذعها و أغصانها بالضمور
و اختفت الأزهار و الثمار و فقدت رونقها و هيبتها و مجدها الذي كانت تباهي به و فقدت رغبتها بالمقاومة و البقاء .
و في أحد الصباحات لفت نظرها ظهور حياة جديدة من بين جذورها وريقات نضرة تشق طريقها من رحم الأرض نحو نور النهار معلنة عن وجودها ، فرحت أشد الفرح و أحست بسعادة غامرة فقد ملت الوحدة و العزلة و شعرت بأن هناك بارقة أمل تلوح في الافق ، فها قد أرسل الله لها من يؤنس وحدتها و يشاركها لحظاتها الكئيبة و أيام وحدتها الطويلة .
ستكون كالأم لهذه النبتة الصغيرة و ستعلمها كل ما تعرفه و ستحكي لها عن موطنها الحبيب و أرضه الطيبة الخصبة و أيام مجدها السابق و راحت ترقب تلك الصغيرة و هي تكبر و يشتد عودها رويدا رويدا ، و هي تحكي لها ما مر عليها من قصص و احداث ، و تصف لها جمال تلك الأرض التي عاشت فيها و المخلوقات التي شاركتها حياتها ، من عصافير جميلة كانت تغرد فوق أغصانها و فراشات ملونة تتراقص فوق أزهارها و قطعان الغزلان التي تركض و تلعب حولها ، و البشر الذين و جدوا تحت ظلها الراحة و الأمان .
لكن تلك الصغيرة لم تلق بالا لحكايا الشجرة الهرمة ، و كانت تستمع لها بشيء من اللامبالاة فقد نبتت في هذه الأرض و تغذت من ماءها و اعتادت عليها ولا تعرف ما الذي تتكلم عنه الشجرة الكبيرة مما سبب لها خيبة أمل و إحباط كبيرين و عبثا ذهبت محاولاتها لإقناع الصغيرة بما تحكي لها فما لبثت أن لاذت بالصمت و راحت تجتر أحزانها و ساءت أحوالها أكثر فأكثر فأصبحت كأنها قطعة من حطب يابس لا روح فيه .
مع مرور الوقت نبتت عدة شجيرات أخر و تكرر ما حدث مع الشجيرة الأولى و راحت الشجرة الأم تراقب تلك الشجيرات و هي تنمو و تكبر و تمرح بسعادة بشيء من الفرح الممزوج بالحزن و الأسى الذي يعتصر البقية الباقية من شعور القوة و المقاومة بداخلها و فقدت رغبتها في الحياة ......
وفي يوم من الايام مر أحدهم من ذلك المكان فرأى شجرة جرداء كبيرة تتوسط مجموعة من الأشجار الخضراء و راح يتفحص تلك الشجرة و على وجهه ابتسامة كبيرة ثم غادر مسرعا و عاد بعد فترة قصيرة و هو يحمل في يده شيء ما ...
شعرت الشجيرات الشابات بالفضول و رحن يتساءلن : من هذا ؟! و لماذا دار حول الشجرة الكبيرة و لم يلتفت اليهن ؟!
و ما هذا الذي يحمله في يده ؟!
أجابت الشجرة العجوز :
أيتها العزيزات الشابات هذا شخص يبحث عن الأشجار الكبيرة مثلي ، و ما يحمله في يده هو المصير المحتوم ، فهو حطاب يحمل فأسه جاء ليقطعني و يحولني الى كومة من الحطب .
انها نهايتي التي لا بد منها و التي كنت انتظرها فأنا لم استطع العيش هنا و لا سبيل للعودة إلى موطني وهذا هو مصير كل من يخرج من وطنه و أرضه و لو قسرا دون أن يفكر بالرجوع و ها قد حان وقت الرحيل .
الوداع أيتها الصغيرات ، أتمنى لكن حياة سعيدة ....
عندها شعرت الصغيرات بالحزن فلم يكن يتخيلن أن هذا هو مصيره و افتقدن حكاياها و نصائحها و لكن كان الأوان قد فات و استسلمت الشجرة العظيمة لقدرها و رحلت الى غير رجعة ...........
✒️ بقلمي
معين علي الرفاعي
٢/١١/٢٠٢٢

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق