جدار الخوف
بقلم: هدى أحمد شوكت
---
في زقاقٍ ضيقٍ يختبئ بين شوارع الإسكندرية القديمة، كان هناك بيتٌ عتيق تحيط به هالة من الغموض. الجيران أطلقوا عليه اسم "جدار الخوف"، لأن من يقترب منه يشعر برجفةٍ غريبة في قلبه، كأن جدار الطوب نفسه يحكي حكاياتٍ لا يجرؤ أحد على سماعها كاملة.
الحكاية بدأت مع امرأة يونانية الأصل تُدعى "فاطمة والي"، كانت تعرف بين الناس باسمها القديم "جربيس". جاءت إلى مصر مع عائلتها، وامتهنت العمل ككاتبة حسابات في متجر ذهبٍ كبير يملكه التاجر محمد عبد الله. لم يكن أحد يتصور أن ابتسامتها الهادئة تخفي وراءها قسوةً أكبر من البحر حين يغدر بمراكبه.
محمد، التاجر الثرى، وقع في حبها سريعًا، فتزوجها بعد أن أعلنت إسلامها. بدا له أن حياته اكتملت معها، لكن الجدار الذي يحيط ببيتهما كان أول من شعر بأن هذه السكينة ما هي إلا قناع هشّ.
مرت الشهور حتى جاء اليوم الذي همست فيه فاطمة لزوجها بأن شقيقه يطاردها، وأن عينيه لا تكفان عن التلصص عليها. ثار الدم في عروق محمد، واندفع كالثور الهائج إلى بيت أخيه، ليجده بالفعل يمد يده إليها. لم يتمالك نفسه، فانهال عليه ضربًا حتى أسكته إلى الأبد.
تصدع الجدار تلك الليلة، وسمع الجيران صوتًا مكتومًا كأن الأرض نفسها ابتلعت صرخة. دفن محمد جثة أخيه بجوار البيت، لكن عين أمه المكلومة لم تُخدع. أخذت تبحث وتسأل، ولم تصدق أكذوبة السفر إلى إيطاليا. كان الشك ينهش قلبها، وكان الجدار يزداد برودةً كلما مرت بجواره.
حين ضاق الخناق، حرضت فاطمة زوجها على قتل أمه قبل أن تفضح سرهما. تردد محمد، لكن تهديداتها كسرت ما تبقى من إنسانيته. دسّت السم في طعام الأم، ثم ضغطت بكفيها الرقيقتين على عنقها حتى سكنت. دُفنت الأم إلى جوار ابنها، وكأن الأرض جمعت بين الضحيتين في قبر واحد.
منذ تلك الليلة، صار الجدار يئنّ. كل من مرّ بجواره أقسم أنه سمع همسات نسائية وبكاءً مكتومًا. محمد نفسه لم يعد يجرؤ على النظر إلى الجدار، حتى انهارت قواه تمامًا.
استغلت فاطمة ضعفه، انتزعت توقيعه على توكيلٍ يسلّمها ثروته، ثم اختفت فجأة. باعَت المحلات، سرقت المال، وتركت محمد وحيدًا يترنح بين الهذيان والجنون.
سنوات طويلة مضت قبل أن يعثر عليها صدفةً على شاشة السينما، تؤدي دورًا قصيرًا في فيلم. كان المشهد العابر هو الحبل الذي أعاد فتح جدار الخوف على مصراعيه. أبلغ الشرطة، فبدأت مطاردتها التي انتهت بجريمةٍ أخرى أشد هولًا: أطلقت الرصاص على زوجها الجديد حين رفض الهروب معها، فأطلق هو عليها النار قبل أن يلفظ أنفاسه.
قبض عليها البوليس، وأصدرت المحكمة حكم الإعدام سنة 1939. انتهت حياتها كما بدأت: بوجهٍ يظهر مرة واحدة أمام الناس، ثم يختفي إلى الأبد.
لكن الجدار ظلّ باقيًا. كلما مرّ عليه عابرٌ في الليل، أحس برعشةٍ غريبة تسري في جسده، كأن الأرواح التي دُفنت ظلمًا تئنّ خلفه. ومن يومها صار اسمه "جدار الخوف"... جدار يروي حكاية امرأة أحبت السلطة أكثر من الحب، ودفعت حياتها ثمنًا لجشعها، بينما ظلّ أثرها محفورًا في الطوب والحجر إلى أن يشاء الله.
بقلمي " هدى أحمد شوكت "

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق