الأحد، 25 أكتوبر 2026

♕ مقالة .. ابدأ بنفسك: بر والديك ♕ بقلم الكاتب : عصام محمد عبد القادر

ابدأ بنفسك: بر والديك

بقلم

أ.د/ عصام محمد عبد القادر

تستشعر في كنف أسرتك الأمان والطمأنينة حيال وجود الأب بالمنزل، وتدرك من اللحظة الأولى أن ماهية بر الوالدين تنطلق من وعيك بقدرهما؛ فالوالد وعاء العطاء الذي لا ينضب، والمسؤول عن تنظيم المدخلات والعمليات والمخرجات الخاصة بأمور البيت، ونظرته الشمولية للأمور الناتجة عن خبرات عديدة يكتسبها في خضم زخم الحياة وتفاصيلها تزيده فهمًا وإدراكًا، وتلهمه الرؤى السديدة المبنية على معايير ودلالات يصعب على باقي أفراد الكيان الأسري الإحاطة بها؛ ومن ثم يحاول الوالد أن يسدد ويقارب، ويصنع سياج الحماية والرعاية للجميع، دون أن يعني ذلك الوصف الكامل لمهامه؛ فهي كثيرة ومتنوعة ويتعذر عليك إحصاء جوانبها ومجالاتها؛ فبادر من تلقاء نفسك إلى مقابلة هذا البذل ببوح العرفان، واجعل برك بوالدك منطلقًا أصيلًا تبدأ به من ذاتك في كل موقف؛ لتسمو بروحك ووجدانك نحو أرقى مراتب الإحسان، وتنال رضا الرحمن.

وينساب عطاء الأم وحضورها البهي في وجدانك ينبوعًا من الحنان يجري في عروق حياتك نهرًا جاريًا لا يعرف الانقطاع ولا يضل طريقًا إلى الجفاف، ليجسد لك في كل لمحة معنى البر الذي يستوجب منك إكرامها وإدخال السرور على قلبها؛ فغيثها يغمرك بدفء غامر وعطاء منهمر سخي، مهما تكالبت عليك الخطوب أو استبدت بك المواجيع وتراكمت فوق الكواهل هموم الدهر، وحتى حين تداهمك الأيام بأوصابها وضغوطها المقلقة، تظل بسمتها الحانية الملاذ الآمن والسند الذي لا يميل؛ فقد جُبلت نفسها الزكية على حب الخير حتى صار جزءًا من كينونتها، تسير في دروب الجود الذي لا ينفد، وتبذل مهجتها قبل يدها دون منٍّ أو ضجر، متمسكة بالصبر الجميل الذي تداوي به جراح التعب والعناء، لترشدك نحو تخطي كل عسير؛ فابدأ بنفسك في برها، واحفظ ودها في حياتها بصالح أعمالك وأقوالك وجميل رعايتك.

إن تأمل مواقف الأب يغرس في نفسك الصمود الناتج عن فلسفة الحكمة والتعقل عند تناول ما تتعرض له من قضايا، ويعمق في وجدانك حقيقة البر القائمة على الاقتداء بنبله وتوقير مسيرته؛ فمدرسة الحياة تركت آثارًا عميقة في وجدانه، ورسخت ثوابت تمخضت عن مفاهيم صحيحة؛ فصار السلوك الإيجابي ملازمًا لمن تحمل المسؤولية، وأراد أن يسير سفينة الوطن الصغير بكل هدوء وتؤدة؛ فهو صاحب العقل الساعي في كل حين إلى ما يفيد هذا البنيان المشكل لنسيج المجتمع؛ كي تنال حظك من معترك معيشي ليس بالهين، يحتاج منك امتلاك البصيرة السليمة والتفرد في الأداء؛ لتستطيع أن تصنع مستقبلًا مرضيًا لأحلامك، ومثلجًا لصدور من يكنون لك المحبة ويتمنون لك الخير، وفي مقدمتهم والدك دون مواربة؛ فابدأ بإصلاح خطواتك، واجعل تفوقك واستقامتك ثمرة من ثمار البر تهديها إكرامًا لمقامه الرفيع.

وفي رحاب حضور الأم أمام ناظريك تبقى مكانتها في مقلة قلبك أمانة لا تبلى، تتضح ماهية برها في استشعار فضلها وطيب صحبتها؛ إذ تمنحك من حكمتها البالغة ينابيع من الصبر الذي لا ينضب؛ ليكون الأساس في صرح شامخ يتوارثه جيل تلو آخر، وتستلهم من مسلكها العطر كيف يُشاد المجد بالنفس والروح؛ فلينها ورقتها بلسم يغسل وعثاء الأيام، وسجية تسمو بمن حولها، بينما تشكل موازنتها الدقيقة بين دفء الحنان وهيبة الحزم منهجًا تربويًا عماده الرشد ورجاحة العقل، وهو المسلك الذي يغرس في كينونتك مكارم الأخلاق ورفيع الخصال، ويجعلك تتمسك بكل آليات تقويم المسار وتصحيح الخطى نحو غايات عليا تحمل في طياتها بريق الأمل المتجدد وطموحًا يعانق عنان السماء؛ فابدأ بنفسك واتخذ من إصلاح سريرتك واستقامتك أصدق بر تُقر به عينها وتُبهج به فؤادها.

وعند الشدائد تجد الوالد قريبًا من الجميع، فإليه يهرع الكبير والصغير داخل الأسرة؛ لامتلاكه أطروحات قويمة لحلول مشكلات متجددة، وقدرته على أن يذلل معوقات أو صعوبات تقف حجر عثرة أمام ما تأمل أو تتمنى أو تخطط له في آنك وغدك، ما يجعل برك به واجبًا يتجدد مع كل نبضة وفاء؛ فصاحب السخاء بالطبع لا يكل ولا يمل ويمضي بلا توقف في مد يد العون والمساعدة بكل مودة ورضا؛ لإدراكه أن هذا من صميم واجبه نحو أهله، وأن ما يبذله من جهود يقع تحت مسلمة الرعاية في إطارها المسؤول؛ لذا تراه يتحمل الضغوط دون أن يشارك كثيرًا منها مع أحد؛ لتجنب الإزعاج أو إحداث اضطرابات لدى أذهان من يشاركونه تفاصيل رغد المعيشة؛ فاحرص على أن تشرع بنفسك في بره بتخفيف أعبائه، وإحاطة شيبته ومقامه بطيب المعاملة ولين الجانب.

ومع إشراقة كل يوم يتجدد في الروح جلال الوفاء وصدق الانتماء للأم، وفي رحاب بر الوالدين المفعم بالمودة والعرفان، ترفع آيات الامتنان لقلبها النابض بالعطاء الذي يغمر الوجود بهجةً وسكينة؛ فأنت في كنفها تشكر صنيعًا عظيمًا وبنيانًا شامخًا تشيده يداها في أعماقك، حتى باتت ذاتك بفضل غرسها قوية العود، منيعة الجانب، قادرة على الوقوف بثبات أمام عواصف الأيام، وصارت تمتلك عزيمة لا تلين تجابه بها وعورة الدروب ومرارة التقلبات المفروضة من قانون الحياة؛ فبثمرة بصيرتها وصبرها الذي لا يشيخ يغدو الوجدان مشرقًا بفكر مستنير ورؤية ثاقبة تفرق بين الغث والثمين، وتستحيل مفردات عيشك ببركة دعواتها الحاضرة واقعًا يسوده المجد؛ فابدأ بنفسك واعقد العزم من لحظتك على برها والتمسك بالمبادئ إخلاصًا لتربيتها القويمة.

ووسط زحام الأعباء تلاحظ ضغوط الحياة التي تحيط بك؛ لكن تفكير الأب لا يهدأ، ولا تتوقف وتيرة قدح الأذهان لديه؛ كي يدير المشهد بحرفية، ويحرص على أن يلبي الاحتياجات الأساسية، ويحاول بكل جهد وطاقة أن يشبع ويرضي المطالب الفئوية داخل بيته الصغير من قبيل الحب والرحمة، وإدخال البهجة في قلوب من يشملهم بالعناية ويحتضنهم بشغف ماهية الأبوة؛ وهو ما يدعوك إلى استحضار البر في مؤازرته وطاعته؛ إذ يعمل على مسلمة الرضا بما لا يترك الأثر السلبي لصاحب الحاجة من فلذات أكباده؛ فالأمر بالنسبة له ينهض على فكرة بناء إنسان سوي يمتلك مقومات تساعده في أداء واجباته، وتسهم في تحقيق أهداف لا مناص عنها، سواء تعلقت بتعليمه أو بمجال عمله؛ فلتنهض من داخلك بمقابلة تفانيه، ولتجعل بره وطاعته مسلكًا عمليًا يعكس نبلك وتقديرك.

إن مسيرة عطاء الأم في حياتك ليست تفاصيل عابرة في الزمان، وإنما هي مدرسة تربوية ومنهاج شامل تدشن من خلاله في أعماق نفسك معالم الحق، وترسم لك به شأن الحال في حاضر الاستقامة وعظمة المآل في آجل الثواب، ليغدو برها والإحسان إليها عبادةً تسمو بها الروح؛ ويبقى مقامك في هذه الدنيا مستمسكًا بعروة وثيقة من أثرها المبارك الذي لا يبلى، تتغذى عليه الروح في خلواتها وجلواتها، وتستمد منه النور كلما أظلمت السبل؛ ومن ثم تظل سريرتك مطمئنة مستكينة، ترفل في ثياب الرضا والقناعة ما تعاقب الليل والنهار، صامدة أمام أمواج الدهر العاتية، وراضية بمر القضاء وحلوه مهما تباينت تصاريف القدر أو تقلبت صروف الأيام؛ فابدأ من ذاتك واجعل برها وصحبتها زادًا يحيي القلوب، ورضاها أريجًا ينشر السلام.

ويتحقق الاستقرار المنشود للوطن الصغير عبر أبوة متكاملة الإطار، تصوغها شخصية متوازنة تضبط في كل موقف انفعالاتها؛ فيكتسب الجميع صفة الهدوء من منبع الكرم، وتغدو ماهية بر الوالد في التفاعل الخلّاق مع حكمته؛ إذ يفقه الأب أن تربية الأبناء على لغة الحوار والمناقشة البناءة تؤدي إلى تنمية مهارات التفكير المنطقي لديهم، وتجعلهم على وفاق نحو كل ما يجلب النفع ويحقق المصلحة العامة لجميع منتسبي الأسرة؛ فيعتاد الأفراد على مائدة الشراكة في مواجهة التحديات، مهما تباينت درجاتها واختلفت أنماطها؛ ومن هذا المنظور التربوي البهي يجدر بك أن تراجع حساباتك وتبدأ بنفسك؛ فتحرص على تطبيق هذا النهج الحواري الراقي في تواصلك مع والدك، وتخفض له جناح الذل، وتصغي إلى توجيهاته السديدة بقلب شاكر وعقل منفتح.

وتتكامل هذه المنظومة التربوية في رحاب الأم التي تشيع في أرجاء البيت روح الألفة والوئام، وتغرس بحكمتها الهادئة أدب الحوار وجمال الإصغاء؛ فيغدو برها ترجمةً حيةً لما أودعته في فؤادك من سكينة واتزان؛ ففي حضرتها الوادعة تتعلم كيف تُصاغ الكلمات الطيبة مودةً ورحمة، وكيف تتحول الشراكة الأسرية إلى واحة من التفاهم والتراحم تذوب فيها الصعاب؛ إذ تفيض روحها بمعاني الاحتواء التي تجمع القلوب على المحبة والوفاق، وتجعل من بيتها روضةً عامرةً بالطمأنينة والرشاد؛ فابدأ بنفسك في تعهد هذا الغرس الطيب، واجعل من طلاقة وجهك، ولين خطابك، ومبادرتك إلى خدمة والدتك وقضاء حوائجها برًّا خالصًا تبتغي به رضا الرحمن وتسمو به في مدارج الوفاء.

كما أن بناء مجتمع أسري مستقر يتمسك بالقيم النبيلة، ويفعل الشمائل في ممارساته، ويفقه حقوقه وواجباته، يعتمد على ماهية أبوة ناضجة تشهد التخلي عن النزعة الذاتية، والانتقال إلى واحة الجماعة التي يستلزم في خضمها العمل من أجل الغير وللغير من قبيل قناعة داخلية، تنبري على قاعدة رئيسة تكمن في عمارة الأرض الصالحة المتحققة من إنسان تربى على الإيثار والبذل، وليس على الأنانية وحب الذات؛ لذا يجمل بك أن تبدأ بنفسك وتثمن تربية الأب المبنية على اللين والحزم، وتستحضر عظيم فضله في إفناء جهده ووقته لأجل تنشئة أبناء صالحين؛ فتجعل برك به وإحسانك إليه في حياته عهدًا وثيقًا ومسلكًا يعبر عن أصالة معدنك وصدق وفائك.

وتقف الحروف في مقام الإجلال والامتنان شاهدةً على عظمة رسالة الأم التي تشارك الأب في إرساء دعائم هذا الإيثار النبيل، بعد أن صار حبها في فؤادك موردًا عذبًا لا يعرف النضوب، وبات برك بها ميثاقًا غليظًا يرافق أنفاسك ما امتد بك العمر وما سرى في الجسد عرق؛ فكيف لك أن تحصي مآثر والدةٍ تسكن محبتها وجدانك في كل حين، ويتصل نبض قلبك بودها وطاعتها، وهي التي أحاطتك برعايتها السابغة، وعلمتك أن العطاء بلا حدود هو عين الفضيلة وسبيل الفلاح؛ فاستفتح يومك ببر والدتك إلى جانب والدك، وابدأ بنفسك في اغتنام وجودهما بين يديك، واجعل صلتهما وإكرامهما وحسن صحبتهما بهجةً لحياتهما وقرةَ عينٍ تلازمهما في كل آن.

وهكذا يظل بر الوالدين منهجًا أصيلًا تبدأ به من نفسك في حياتهما بطيب المعشر، وخفض الجناح، وجميل الرعاية، ثم لا ينقطع هذا العهد المتصل بعد وفاتهما ورحيلهما عن هذه الدنيا؛ بل يمتد أثره وفاءً سرمديًا بصالح الأعمال، والصدقة الجارية، وحفظ الود، والدعاء الصادق لهما في ليل مفعم بالتبتل ونهار مشرق بالرجاء؛ إذ يبقى الابن البار وفيًّا لوالديه اللذين أفنيا عمرهما لأجل تنشئة أبناء صالحين يرفعون أكف الضراعة لهما بالرحمة والغفران، وأن يجزيهما الله خير الجزاء، ويسكنهما الجنة مع الأبرار؛ فتوجه إلى مولاك في كل حين بقلب خاشع: اللهم يا واسع المغفرة ويا جزيلًا في العطايا، احفظ آباءنا وأمهاتنا في حياتهم، وتنزل على أرواح من رحلوا منهم بسحائب رحمتك، واجعل نزلهم في أعالي الجنان، وارزقنا ذرية صالحة تبرنا في الدارين.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

♕ سلاسل ذهب ♕ بقلم الشاعر : محمود المرشد

قصيدة بعنوان       سلاسل ذهب           وطرف فستان سلاسل ذهبٍ وطرفُ فستانِ وأقدامٌها تمشي على البركانِ ​وكعبا أخمصانِ هرباً شريدانِ  كفانِ من...