حين تقاوم الذاكرة... يخشع الحنين
هناك، لكل حجر حكاية، ولكل نافذة عين تنتظر غائبا، ولكل درب خطى محفورة في ذاكرة التراب، ولأولئك الذين يمضون، رغم التعب، نحو فجر يعرفون أنه سيأتي.
وهناك قباب لن تحجبها محاولات تهويد المعالم، ولا أزقتها التي لن تطمسها المغتصبات والمظالم. هي أعمق من أن تحاصرها الاسلاك الشائكة وحواجز التفتيش، وأوسع من أن تحتويها الأسرلة والتطبيع والتهميش. إنها ذاكرة شعب تخشع على عتبات السماء، وصلاة العودة تتوارثها الأجيال والأبناء، وجرس كنيسة القيامة يقرع كلما ظنوا أن الجريمة دفنت في المغارة. هي الاسم الذي، كلما حاولوا طمسه، كتبته سواعد غزاوية مع كل فجر.
انها ليست حجارة في جدار، بل هي الجدار الذي يستند إليه وجداننا حين تضيع الجهات. وليست قبة في السماء، بل هي السماء التي نحملها في صدورنا كلما نفينا في بلاد الله الواسعة... فمن يظن أن المدن تموت حين تتغير ملامحها، لا يعرف أن للمدن أرواحا لا تراها العيون، وأن الذاكرة تستطيع، في لحظة، أن تعيد إلى الطريق أقدام الذين عبروا منها، وان تجعل المستحيل ممكنا.
قد يتبدل الغزاة، وتتغير الرايات، وتتبدل الوجوه على الأبواب، لكن الأرض تعرف أبناءها، كما تعرف الأم وقع خطوات طفلها قبل أن تراه. والسنابل تحفظ أسرار الذين زرعوها، وتعرف الأيدي التي مسحت عنها غبار الصيف، والجباه التي انحنت فوقها لتجني خبز الأيام.
وسيبقى الجليل صامدا، وستبقى قممه التي تلامس الغيم تعانق السماء، وكرومه التي تعلمت الصبر من جذوع الزيتون، وحقوله التي كلما انحنت للريح نهضت من جديد. وستبقى قريتي المزرعة، هناك، في الجهة التي لا يضل إليها الحنين، حيث للجذور حكاية لا ترويها الكتب، وللتراب رائحة الأهل، وللبيوت ذاكرة تتنفس خلف الأبواب، وللعتبات صبر يشبه صلاة الأمهات.
في قريتي المزرعة، ليس التراب ترابا فحسب؛ إنه شيء من أصوات الذين أحببناهم، ومن ظلال الذين غادروا، ومن ضحكات عبرت الأزقة ثم بقي صداها معلقا على جدران الذاكرة. هناك، حتى الشجرة تعرف أسماء أصحابها، وحتى الطريق، وإن طال عليه الغياب، لا ينسى الأقدام التي كانت تستريح عند منعطفاته.
ستبقى الذاكرة تنبض للأجيال، لا بوصفها حكاية من زمن مضى، بل أمانة تتنقل من قلب إلى قلب، ومن يد إلى يد، مثل زيتونة تورث جذورها للأرض، وتترك أغصانها للسماء. ستبقى ما بقي فينا يراع يكتب الحقيقة، وسواعد لا تسقط الراية، وحنين يخشع على عتبات الوطن، وأرض تنادي أبناءها بأسمائهم الأولى، وخطوة، مهما أتعبتها المنافي، تعرف طريق العودة.
فالأوطان لا تموت حين يغيب أهلها، ولا تنتهي حين تتبدل ملامحها؛ إنها تبقى في رائحة خبز، وفي مفتاح قديم، وفي اسم قرية يلمع في الذاكرة كلما أظلمت الدنيا، وفي دمعة لا تسقط لأنها تعرف أن وراءها حكاية أكبر من الحزن، وفي قلب يرفض أن يجعل من الغياب وطنا بديلا.
فحين تقاوم الذاكرة... يخشع الحنين.
وتبقى عكا، وتبقى حيفا، وتبقى يافا، وتبقى القدس، ويبقى الجليل، وتبقى قريتي المزرعة؛ لا لأن الزمن توقف عند أبوابها، بل لأن في القلب متسعا لكل ما حاول الغياب أن يأخذه، ولأن الأرض، مهما طال ليلها، لا تنسى أبناءها، ولأن الحكاية التي تكتبها الذاكرة لا تنتهي ما دام هناك من يحملها ويورثها لمن يأتي بعده.
مهندس حسني الحايك

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق