بين يدي الشعور
بين يدي الشعور
بقلم الأديبة المصرية هدى أحمد شوكت
أحيانًا نستيقظ وفي صدورنا ضيقٌ لا نعرف له سببًا، ونمضي في يومنا كأن شيئًا ينقصنا، دون أن ندرك أن أرواحنا ربما تحاول أن تخبرنا بشيءٍ لم نتعلم بعد كيف نصغي إليه.
كنت أظن أن المشاعر لحظات عابرة، وأن الحزن يزول بالتجاهل، حتى قادني الله إلى قراءةٍ غيّرت نظرتي إلى نفسي؛ فتعلمت أن الصلاة في أوقاتها، والوضوء، والأنس بالقرآن، ليست عبادات نؤديها فحسب، بل أبوابٌ للسكينة، ومحطاتٌ نستعيد عندها توازن أرواحنا.
وفي يومٍ، توقفت عند قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ولم تشغلني كلمة العسر بقدر ما استوقفتني كلمة «مع». تساءلت: أيمكن أن يسكن اليسر جوار العسر، وأن يكون الأمل حاضرًا في قلب الألم، لكننا لا نراه لأن الحزن يحجب عنا بقية المشهد؟
منذ ذلك الحين، بدأت أتعامل مع مشاعري كصديقٍ يحتاج إلى الإصغاء، لا كعدوٍّ ينبغي قمعه؛ فإذا حزنتُ، بحثت عن سبب حزني، وإذا توترتُ، منحت نفسي فرصة للهدوء، وإذا تهتُ في دروب الحياة، عدت إلى الله، أستمد من ذكره طمأنينةً تعينني على مواصلة الطريق.
أدركت أن القوة ليست في إنكار الوجع، بل في فهمه، وأن الإيمان لا يعني ألا نحزن، بل أن نحزن دون أن نفقد الرجاء، وأن نضعف دون أن نيأس من رحمة الله.
فكم من قلبٍ أرهقه الصمت، لأنه ظن أن الاعتراف بالتعب هزيمة، وكم من روحٍ ازدادت ألمًا لأنها عاقبت نفسها على مشاعر لم تخترها!
ما كلُّ حزنٍ في القلوبِ هزيمةٌ
فقد يولدُ الإصباحُ من رحمِ الأسى.
إن أقرب الطرق إلى الله يبدأ بقلبٍ صادق، لا يتظاهر بالقوة، ولا يخجل من ضعفه، بل يلجأ إلى خالقه، ويأخذ بالأسباب، ويسعى إلى إصلاح نفسه برفقٍ ووعي.
لقد تعلمت أن أكون أرحم بنفسي، وألا أطالبها بالسعادة في كل الأوقات، فالحياة ليست طريقًا مفروشًا بالطمأنينة، وإنما رحلةٌ نتعلم فيها كيف نعبر الحزن دون أن نسكنه، وكيف نواجه الخوف دون أن نستسلم له.
وهكذا، فهمت أن كلمة «مع» في الآية الكريمة تفتح أمام القلب نافذةً للرجاء؛ فالعسر ليس الحكاية كلها، والضيق ليس نهاية الطريق، وما لا نراه اليوم قد يكشف لنا الغد عن وجوهٍ من اللطف لم نتوقعها.
فبين يدي الشعور تبدأ رحلة الإنسان إلى نفسه، وبين يدي الله يجد قلبه السكينة التي تعينه على مواصلة الطريق.
بقلم الأديبة المصرية هدى أحمد شوكت

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق