الأحد، 1 نوفمبر 2026

♕ رواية .. رَقْصُ الْحَجَرِ & الْفَصْلُ الثَّامِنُ ♕ بقلم الكاتب : مصطفى الحاج حسين

 **«رَقْصُ الْحَجَرِ»*

الْفَصْلُ الثَّامِنُ مِنْ رِوَايَةِ «مُسَبَّعِ الْكَارَاتِ»


«مُصْطَفَى الْحَاجُّ حُسَيْنٌ»


أَعْطَانِي أَبِي تَعْلِيمَاتِهِ بِشَأْنِ الْبَدْءِ فِي بِنَاءِ الْقَرْمِيدِ فِي عِمَارَةِ «تَحْسِينِ الْمَشَارِقَةِ»، وَشَرَحَ لِي وَحَدَّدَ الْأَمَاكِنَ الَّتِي سَأَبْدَأُ مِنْهَا، وَأَعْطَانِي مَقَاسَاتِ الْأَبْوَابِ وَالْمَقَاطِعِ، وَطَلَبَ مِنِّي الْبَدْءَ وَالتَّجْهِيزَ رَيْثَمَا يَأْتِي «رَاتِبٌ» مِنْ جَامِعَتِهِ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى الطَّابِقِ الْأَعْلَى وَتَرَكَنِي أَعْمَلُ وَحْدِي


أَخَذْتُ أَخْلِطُ الرَّمْلَ بِالْإِسْمَنْتِ، وَأُحَضِّرُ جَبْلَةَ الطِّينِ، ثُمَّ أَخَذْتُ أَمْلَأُ سَطْلًا بِالْمَاءِ مِنْ بِرْمِيلِ الْمَاءِ الْقَرِيبِ، وَأُفْرِغُهُ فِي الْجَبْلَةِ، وَأَخْلِطُهَا بِالرَّفْشِ، وَأُقَلِّبُهَا حَتَّى اكْتَمَلَتِ الْجَبْلَةُ، وَأَصْبَحَ طِينُ الْإِسْمَنْتِ جَاهِزًا، فَمَلَأْتُ السَّطْلَيْنِ، وَحَمَلْتُهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي سَأَبْدَأُ مِنْهُ


وَرُحْتُ أَحْمِلُ الْقَرْمِيدَ، ذَا السُّمْكِ الْبَالِغِ خَمْسَةَ عَشَرَ سَنْتِيمِتْرًا، إِلَى الْمَكَانِ الْقَرِيبِ الَّذِي سَأَبْدَأُ بِإِعْمَارِهِ


كُنْتُ أَشْعُرُ بِالسَّعَادَةِ وَالْفَرَحِ؛ لَقَدِ اسْتَعَدْتُ حُرِّيَّتِي بَعْدَ أَنْ حُرِمْتُ مِنْهَا مُدَّةَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَالْآنَ سُرِّحْتُ، وَعُدْتُ إِلَى الْعَمَلِ مَعَ أَبِي، الَّذِي لَمْ يُقَصِّرْ فِي حَقِّي أَثْنَاءَ خِدْمَتِي، لَا مِنْ حَيْثُ مَصْرُوفِي وَلَا مِنْ حَيْثُ الرِّعَايَةِ، فَقَدِ اصْطَحَبَ أُمِّي لِزِيَارَتِي مِنْ «حَلَبَ» إِلَى «عَيْنِ ذِكْرٍ»، عِنْدَ حُدُودِ «الْجَوْلَانِ»، وَكَانَا يَحْمِلَانِ أَطْيَبَ الْأَطْعِمَةِ وَالْمَأْكُولَاتِ


صِرْتُ أَحِنُّ إِلَى الشُّغْلِ مَعَهُ، وَأَتَمَنَّى أَنْ أَرَى عَصَبِيَّتَهُ، وَهَا أَنَا الْيَوْمَ أَسْتَعِيدُ مَا كُنْتُ مَحْرُومًا مِنْهُ!


كَانَ الطَّقْسُ بَارِدًا، فَنَحْنُ فِي مُنْتَصَفِ شَهْرِ كَانُونَ الثَّانِي


لَا تُوجَدُ أَمْطَارٌ، وَلَكِنْ هُنَاكَ بَرْدٌ؛ فَالْقَرْمِيدُ بَارِدٌ، وَالْمَالَةُ الَّتِي أَغْرِفُ بِهَا الْإِسْمَنْتَ مِنَ السَّطْلِ الْمَطَّاطِيِّ تَعَضُّ الْأَصَابِعَ!


مَتَى سَيَصِلُ «رَاتِبٌ»؟


مَا زَالَتِ السَّاعَةُ الْعَاشِرَةَ، وَبَقِيَتْ سَاعَتَانِ عَلَى مَجِيءِ «رَاتِبٍ»


وَأَنَا سَعِيدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيَّ بِأَصْدِقَاءَ رَائِعِينَ، أَذْكِيَاءَ، مُثَقَّفِينَ، مَوْهُوبِينَ، مُمَيَّزِينَ وَمُحْتَرَمِينَ، لَهُمْ بَاعٌ فِي كِتَابَةِ الشِّعْرِ وَالْقِصَصِ وَالنَّقْدِ


كَانَ «صَمِيمٌ» مِنْ أَقَلِّ الْأَصْدِقَاءِ الَّذِينَ لَفَتُوا انْتِبَاهِي، وَتَحَمَّسْتُ لِصَدَاقَتِهِ، لَكِنَّنِي وَجَدْتُهُ ثَقِيلَ الدَّمِ بَعْضَ الشَّيْءِ، وَغَلِيظًا إِلَى حَدٍّ مَا، وَيَطْعَنُ فِي مُعْظَمِ مَنْ يُذْكَرُ اسْمُهُ أَمَامَهُ؛ فَلَا أَحَدَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمَعَارِفِهِ يُعْجِبُهُ، مَعَ أَنَّهُ مُلَاصِقٌ لَهُمْ


وَكِتَابَاتُهُ الشِّعْرِيَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ تَنْحَازُ إِلَى الْحَدَاثَةِ أَكْثَرَ مِنْ كِتَابَاتِ «يَحْيَى» وَ«كَرِيمٍ»، فَإِنَّهَا لَا تُلَامِسُ الْقَلْبَ بِقَدْرِ مَا تُخَاطِبُ الْعَقْلَ؛ فَفِيهَا صُوَرٌ شِعْرِيَّةٌ وَلُغَةٌ مُكَثَّفَةٌ وَعَالِيَةٌ، إِلَّا أَنَّهَا تَبْقَى ذِهْنِيَّةً، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ التَّصَنُّعِ وَالتَّكَلُّفِ


فَهُوَ يَكْتُبُ قَصَائِدَهُ عَلَى مَرَاحِلَ عَدِيدَةٍ؛ إِذْ يَكُونُ جَالِسًا فِي مَحَلِّ أَبِيهِ، يَعْمَلُ هُنَاكَ وَيُسَاعِدُهُ، وَأَمَامَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ جَرَائِدُ قَدِيمَةٌ، وَفِي وَقْتِ فَرَاغِهِ يُمْسِكُ بِالْقَلَمِ وَيَخُطُّ عِبَارَةً أَوْ أَكْثَرَ، وَخِلَالَ بِضْعَةِ أَيَّامٍ يَكُونُ قَدِ امْتَلَكَ جُمَلًا عَدِيدَةً، فَيَقُومُ بِجَمْعِهَا، وَيُعْطِيهَا عُنْوَانًا، وَيَعْتَبِرُهَا قَصِيدَةً


وَكَانَ إِذَا قَرَأَ قَصِيدَتَهُ عَلَى أَحَدِ أَصْدِقَائِهِ، انْتَظَرَ أَنْ يَلْقَى الْمَدِيحَ وَالْمُسَايَرَةَ وَالْإِعْجَابَ، وَإِنْ تَحَقَّقَ لَهُ ذَلِكَ، انْبَسَطَ وَفَرِحَ وَضَحِكَ، وَاحْتَضَنَ مَنْ أَثْنَى عَلَى الْقَصِيدَةِ، وَقَبَّلَهُ، ثُمَّ أَخَذَ يَرْقُصُ وَيَدُورُ، وَكَأَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَعُدْ تَسَعُهُ


حَاوَلْتُ أَلَّا أُصَادِقَهُ، وَأَنْ أَبْتَعِدَ عَنْهُ، لَكِنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ؛ فَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِـ«كَرِيمٍ» وَ«يَحْيَى» إِلَى دَرَجَةِ الِالْتِصَاقِ، فَهُمْ أَبْنَاءُ حَارَةٍ وَاحِدَةٍ، وَزُمَلَاءُ دِرَاسَةٍ مُنْذُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَمَا زَالُوا أَصْدِقَاءَ يَلْتَقُونَ وَيَسْهَرُونَ وَيَجْتَمِعُونَ وَيَتَنَاقَشُونَ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ مَوْهِبَةَ الْمُطَالَعَةِ وَالْكِتَابَةِ كَانَتْ تَجْمَعُهُمْ


صَارَتِ السَّاعَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ظُهْرًا، وَجَاءَ «رَاتِبٌ» مِنْ جَامِعَتِهِ، وَبَعْدَ أَنْ تَبَادَلْنَا السَّلَامَ، هَرَعَ عَلَى الْفَوْرِ لِيُبَدِّلَ بِزَّتَهُ الْجَامِعِيَّةَ بِثِيَابِ الْعَمَلِ الْمَوْجُودَةِ لَدَيْهِ هُنَا فِي الْبِنَايَةِ


«رَاتِبٌ» يَتَمَتَّعُ بِنَشَاطٍ كَبِيرٍ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَيِّ عَامِلِ بِنَاءٍ، وَلِهَذَا يُحِبُّهُ أَبِي، وَوَافَقَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ عِنْدَهُ نِصْفَ يَوْمٍ بِنِصْفِ أَجْرٍ، مَعَ أَنَّ «رَاتِبًا» كَانَ يَعْمَلُ خِلَالَ السَّاعَاتِ الْأَرْبَعِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْمَلُ عَامِلٌ آخَرُ خِلَالَ ثَمَانِي سَاعَاتٍ


وَعَلَى السَّرِيعِ، قَدَّمَ لِي الْقَرْمِيدَ وَالْإِسْمَنْتَ الْمَجْبُولَ، وَصَارَ يُنَظِّفُ مِنْ حَوْلِنَا قِطَعَ الْحِجَارَةِ وَالْأَخْشَابَ وَحُطَامَ الْأَخْشَابِ الْمُكَسَّرَةِ، وَالتُّرَابَ وَالْغُبَارَ، حَتَّى حَوَّلَ الْمَكَانَ إِلَى سَاحَةٍ نَظِيفَةٍ وَمُرَتَّبَةٍ


ثُمَّ أَشْعَلَ سِيجَارَةً، وَوَقَفَ بِجَانِبِي، وَأَنَا مُنْهَكٌ فِي الْعَمَلِ


سَأَلْتُهُ عَنْ جَامِعَتِهِ، وَعَنْ عَلاقَتِهِ بِزَمِيلَاتِهِ الطَّالِبَاتِ، فَابْتَسَمَ وَقَالَ:


— أَمَّا عَنْ جَامِعَتِي، فَأَنَا أَحْرِصُ دَائِمًا عَلَى أَنْ أَكُونَ الْأَوَّلَ بَيْنَ زُمَلَائِي، وَأَمَّا عَنْ عَلاقَتِي بِالْفَتَيَاتِ، فَأَنَا أَتَعَامَلُ مَعَهُنَّ بِجِدٍّ وَاحْتِرَامٍ، كَمَا أَتَعَامَلُ مَعَ زُمَلَائِي الذُّكُورِ، وَلَا أَهْتَمُّ سِوَى بِدِرَاسَتِي


قُلْتُ ضَاحِكًا:


— لَوْ كُنْتُ مَكَانَكَ، لَكَانَ لِيَ أَكْثَرُ مِنْ عَشِيقَةٍ وَحَبِيبَةٍ


قَالَ، وَالِابْتِسَامَةُ لَا تَكَادُ تُفَارِقُ شَفَتَيْهِ الدَّاكِنَتَيْنِ:


— أَنْتَ مِنْ يَوْمِ يَوْمِكَ نِسْوَنْجِيٌّ


قُلْتُ:


— يَا أَخِي، أَنَا أُحِبُّ الْجَمَالَ


رَدَّ:


— اللَّهُ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ


نَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا أَرْمِي مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِي عَقِبَ السِّيجَارَةِ، وَقُلْتُ:


— أَبُونَا «آدَمُ»، وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يَشْعُرْ بِالسَّعَادَةِ، بَلْ أَحَسَّ بِالْوَحْدَةِ وَالْوَحْشَةِ، وَانْتَابَهُ الْمَلَلُ وَالْحُزْنُ، حَتَّى نَامَ مَقْهُورًا، وَحِينَ اسْتَيْقَظَ، وَجَدَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ خَلَقَ مِنْ ضِلْعِهِ «حَوَّاءَ»


وَكَمْ كَانَتْ فَرْحَتُهُ بِهَا!


عَادَتْ إِلَيْهِ سَعَادَتُهُ، وَشَعَرَ بِفَرَحٍ شَدِيدٍ، وَنَظَمَ قَصِيدَةَ شِعْرٍ عُنْوَانُهَا: «يَا أُمَّنَا حَوَّاءُ»، وَكَانَتْ أَوَّلَ قَصِيدَةٍ تُقَالُ عَنِ الْحُبِّ وَالْعِشْقِ


نَزَلَ إِلَيْنَا مِنَ الطَّابِقِ الثَّانِي عَامِلُ أَبِي، «أَبُو يُوسُفَ»، وَقَالَ:


— اِصْعَدَا إِلَى الْأَعْلَى، تَغَدَّيَا وَاشْرَبَا الشَّايَ


صَعِدْتُ أَنَا وَ«رَاتِبٌ»، بَعْدَ أَنْ حَمَلْتُ مَعِي زَوَّادَتِي، الَّتِي يُشَارِكُنِي فِيهَا «رَاتِبٌ»


أَمَّا أَبِي، فَكَانَ لَا يُشَارِكُنَا الطَّعَامَ، فَقَدْ كَانَ يَكْتَفِي بِالتَّدْخِينِ وَشُرْبِ الشَّايِ


كَانَ «أَبُو يُوسُفَ» وَأَبِي قَدْ نَزَلَا إِلَى الطَّابِقِ الْأَوَّلِ، لِيَتَّقِيَا الْبَرْدَ وَالرِّيحَ وَالسَّمَاءَ الَّتِي تُنْذِرُ بِهُطُولِ الْمَطَرِ، وَكَانَا يَجْلِسَانِ حَوْلَ تَنْكَةٍ تَشْتَعِلُ فِيهَا النَّارُ، فَتَبْعَثُ عَلَى الدِّفْءِ


كُنَّا نَأْكُلُ، حِينَ ابْتَسَمَ «أَبُو يُوسُفَ» وَسَأَلَنِي:


— هَلْ وَجَدْتَ الْعَمَلَ هُنَا أَفْضَلَ، أَمْ كُنْتَ فِي عَسْكَرِيَّتِكَ أَكْثَرَ رَاحَةً؟


قُلْتُ، وَاللُّقْمَةُ فِي فَمِي:


— لَعَنَ اللَّهُ الْعَسْكَرِيَّةَ، وَمَنْ فَرَضَهَا عَلَيْنَا فِي بَلَدِنَا! لَا شَيْءَ أَجْمَلُ وَلَا أَحْلَى وَلَا أَرْوَعُ مِنَ الْحُرِّيَّةِ، يَكْفِي أَنَّنِي هُنَا لَا أُنَادِي أَحَدًا بِكَلِمَةِ «سَيِّدِي»، وَلَا يَكُونُ هَذَا «السَّيِّدُ» إِلَّا صَعْلُوكًا أَجْرَبَ، لَا قِيمَةَ لَهُ وَلَا وَزْنَ فِي الْحَيَاةِ الْمَدَنِيَّةِ


رَشَفَ «أَبُو يُوسُفَ» رَشْفَةً مِنْ كَأْسِهِ، وَالْبُخَارُ يَتَصَاعَدُ مِنْهَا، وَعَلَّقَ عَلَى كَلَامِي:


— أَتَمَنَّى أَلَّا تَعُودَ وَتَخْتَلِفَ مَعَ وَالِدِكَ، الَّذِي لَمْ يُقَصِّرْ مَعَكَ فِي أَيِّ شَيْءٍ طَوَالَ فَتْرَةِ عَسْكَرِيَّتِكَ


قُلْتُ:


— إِنْ شَاءَ اللَّهُ، كُنْتُ طَوَالَ خِدْمَتِي أُعَاهِدُ اللَّهَ عَلَى أَلَّا أُغْضِبَ أَبِي وَلَا أُزْعِجَهُ طَوَالَ حَيَاتِي


ثُمَّ تَابَعْتُ ضَاحِكًا:


— وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَلَّا يُعَاوِدَ الذَّهَابَ إِلَى الْمُشَعْوِذِينَ، لِيَكْتُبُوا لِي حِجَابًا، وَيَبْصُقُوا فِي كَأْسِ مَاءٍ، ثُمَّ يُعْطُوهُ لِأَبِي وَأُمِّي، لِيَضَعَا لِي قَطْرَةً مِنْهُ فِي كَأْسِ الشَّايِ أَوْ فِنْجَانِ الْقَهْوَةِ


وَكُلُّ هَذَا كَانَ بِدَافِعِ خَوْفِهِ هُوَ وَأُمِّي مِنْ أَنْ يُصِيبَنِي مَسٌّ مِنَ الْجُنُونِ بِسَبَبِ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ


وَلَكِنِّي أُطَمْئِنُكَ الْآنَ يَا أَبِي، سَأَبْتَعِدُ عَنِ السِّيَاسَةِ، وَسَيَظَلُّ اهْتِمَامِي مُنْصَبًّا عَلَى الشِّعْرِ فَقَطْ


وَهُنَا ضَحِكْنَا جَمِيعًا، بِمَا فِي ذَلِكَ أَبِي، الَّذِي قَالَ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ ضَحْكَتِهِ النَّادِرَةِ أَثْنَاءَ الْعَمَلِ:


— وَالْآنَ، حُطَّ عَقْلَكَ بِرَأْسِكَ، وَالْتَزِمْ مَعِي فِي الشُّغْلِ، وَأَنَا أَعِدُكَ أَنْ أُزَوِّجَكَ خِلَالَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ


هَتَفْتُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَمِنْ دُونِ شُعُورٍ مِنِّي:


— لَا... لَنْ أَتَزَوَّجَ الْآنَ، قَبْلَ أَنْ أُحَقِّقَ مَا أُرِيدُ


وَسَأَلَنِي «أَبُو يُوسُفَ»:


— مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تُحَقِّقَ؟ أَمَّا الْعَسْكَرِيَّةُ فَقَدِ انْتَهَيْتَ مِنْهَا، وَأَخُوكَ «سَامِي»، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْكَ، فَهُوَ يَدْرُسُ الْفَلْسَفَةَ وَعِلْمَ النَّفْسِ فِي جَامِعَةِ «بَيْرُوتَ»


قَالَ «رَاتِبٌ» ضَاحِكًا:


— لَعَلَّكَ تُرِيدُ شَقَّةً فَاخِرَةً، وَسَيَّارَةً مِنْ طِرَازٍ حَدِيثٍ


تَطَلَّعْتُ إِلَى وَجْهِهِ الشَّدِيدِ السُّمْرَةِ، وَقُلْتُ:


— أَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَقِّقَ ذَاتِي، وَأَنْ أَكُونَ شَاعِرًا كَبِيرًا، وَأَنْ أَنْشُرَ فِي الصُّحُفِ وَالْمَجَلَّاتِ، وَأَطْبَعَ الدَّوَاوِينَ الشِّعْرِيَّةَ، مِثْلَ «نِزَارِ قَبَّانِي»، وَأَحْصُلَ عَلَى عُضْوِيَّةِ «اتِّحَادِ الْكُتَّابِ الْعَرَبِ»، ثُمَّ أَتَزَوَّجَ مِنْ إِنْسَانَةٍ مُتَعَلِّمَةٍ وَمُثَقَّفَةٍ، وَأَتَمَنَّى أَنْ تُشَارِكَنِي الْمَوْهِبَةَ، وَأَنْ تَكُونَ كَاتِبَةً


وَانْطَلَقَتْ ضَحْكَةٌ مِنْ «رَاتِبٍ»، انْزَعَجْتُ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ:


— وَاللَّهِ يَا صَاحِبِي، أَنْتَ طَالِعٌ فِي الْعَالِي


نَهَضْنَا، وَتَحَرَّكْنَا إِلَى شُغْلِنَا، قُلْتُ لِـ«رَاتِبٍ»:


— اِسْبِقْنِي وَجَهِّزِ الطِّينَ


وَمَشَيْتُ بِاتِّجَاهِ الشُّرْفَةِ، الَّتِي لَمْ تُسَيَّجْ بَعْدُ، سَأَقِفُ عِنْدَ حَافَّتِهَا، وَأَتَفَرَّجُ عَلَى الدُّورِ الَّتِي سَيَأْخُذُهَا الْخَرَابُ


وَمَا إِنِ اقْتَرَبْتُ، حَتَّى سَمِعْتُ دَوِيًّا حَادًّا يَصْدُرُ عَنْ قَلْبِي، وَتَدَفُّقًا عَظِيمًا يَهْدِرُ فِي عُرُوقِي، وَصُرَاخًا هَائِلًا يَنْبَعِثُ مِنْ نَظَرِي


رَبَّاهُ! إِنَّهَا صَبِيَّةٌ مَمْشُوقَةُ الْقَوَامِ، تَنْشُرُ الْغَسِيلَ عَلَى حِبَالٍ مَنْصُوبَةٍ فِي بَاحَةِ الدَّارِ


سَمْرَاءُ وَجَمِيلَةٌ، فَارِعَةُ الطُّولِ، ظَرِيفَةُ الْوَجْهِ، بَلْ ذَاتُ وَجْهٍ بَارِقٍ بِالْفِتْنَةِ، وَعَيْنَانِ سَوْدَاوَانِ تُضَاهِيَانِ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ، لَكِنَّهُمَا سَاحِرَتَانِ، يَسْكُنُهُمَا الْوَمِيضُ


وَذَاتُ فَمٍ أَصْغَرَ مِنْ خَاتَمِ «سُلَيْمَانَ»، وَشَفَتَيْنِ تَصْطَادَانِ الشَّهْقَةَ، وَأَسْنَانٍ كَاللُّؤْلُؤِ، وَحَاجِبَيْنِ عَالِيَيْنِ مُتَوَهِّجَيْنِ، يَلْعَثِمَانِ النَّبْضَ


إِنَّهَا حُورِيَّةٌ، مَلِكَةٌ، بَلْ مَلَاكٌ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ!


تَلْبَسُ جِلْبَابًا خَمْرِيَّ اللَّوْنِ، يُضِيفُ إِلَى فِتْنَتِهَا سِحْرًا، وَتَضَعُ عَلَى رَأْسِهَا الظَّرِيفِ مِلْفَحًا زَهْرِيَّ اللَّوْنِ، يَتَنَاسَبُ مَعَ لَوْنِ جِلْبَابِهَا الْخَمْرِيِّ.


يَدَاهَا، وَهِيَ تَنْشُرُ الْغَسِيلَ، لَطِيفَتَانِ وَمُتَنَاسِقَتَانِ، ذَاتَا أَصَابِعَ رَفِيعَةٍ وَطَوِيلَةٍ، وَأَظَافِرَ مَطْلِيَّةٍ بِطِلَاءٍ أَحْمَرَ، تَسْتَصْرِخُ الْأَعْمَاقَ


تَسَمَّرْتُ فِي مَكَانِي، أَتَطَلَّعُ إِلَيْهَا بِوَلَهٍ وَانْجِذَابٍ، وَأَتَمَنَّاهَا، وَأَشْتَهِي أَنْ أَلْمِسَهَا، أَوْ أَقْطِفَ مِنْ خَدِّهَا قُبْلَةً


فَجْأَةً، رَفَعَتْ رَأْسَهَا، وَتَطَلَّعَتْ نَحْوِي، فَشَعَرْتُ بِالِارْتِبَاكِ وَالِاضْطِرَابِ وَالْحَيْرَةِ


هَلْ أَتَرَاجَعُ وَأَخْتَفِي، أَمْ أَبْقَى وَاقِفًا مَكَانِي؟ هَلْ يَحِقُّ لَهَا أَنْ تَحْتَجَّ عَلَى وَقْفَتِي هُنَا؟ أَنَا وَسَطَ عِمَارَةٍ نَقُومُ بِبُنْيَانِهَا، وَمِنْ حَقِّي أَنْ أَكُونَ حَيْثُمَا أَشَاءُ، وَهِيَ ضِمْنَ دَارٍ عَرَبِيَّةٍ مُنْخَفِضَةِ الْبُنْيَانِ، وَمِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ أُشْرِفَ عَلَى أَرْضِ دَارِهِمْ


تَشَجَّعْتُ وَصَمَدْتُ، وَبَقِيتُ وَاقِفًا فِي مَكَانِي، انْتَظَرْتُ مِنْهَا رَدَّةَ فِعْلِهَا، تُرَى مَاذَا سَتَكُونُ؟


هَلْ سَتَصْرُخُ، أَمْ سَتَبْصُقُ، أَمْ سَتَشْتِمُ، أَمْ سَتُنَادِي عَلَى أُمِّهَا؟


أَهْلُ «الْمَشَارِقَةِ» جَمَاعَةٌ مُحَافِظَةٌ وَمُتَمَسِّكَةٌ بِالْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ وَالشَّرَفِ، وَهُمْ أَهْلُ قَدْرٍ، وَأَصْحَابُ نَخْوَةٍ وَشَرَفٍ، وَيَتَكَاتَفُونَ عَلَى الْغَرِيبِ، إِنْ أَخْطَأَ بِحَقِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ


لَكِنْ لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخْشَاهُ وَأَتَوَقَّعُهُ، بَلْ حَدَثَتْ مُعْجِزَةٌ لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهَا، أَوْ أَتَخَيَّلُهَا، أَوْ أَحْلُمُ بِهَا... نَعَمْ!


إِنَّهَا فَوْقَ كُلِّ خَيَالِي، وَتَوَقُّعَاتِي، وَتَصَوُّرَاتِي


ظَلَّتْ تَتَطَلَّعُ إِلَيَّ، عَيْنَاهَا السَّوْدَاوَانِ أَبْحَرَتَا فِي عَيْنَيَّ الشَّهْلَتَيْنِ، وَغَاصَتَا وَتَعَمَّقَتَا فِي لُجَجِ الظَّمَأِ وَالتَّصَحُّرِ، وَأَدْرَكَتَا دَمْعَ الْآهَةِ وَالْحُرْقَةِ، وَنِيرَانَ اللَّهْفَةِ الْعَارِمَةِ فِي رُوحِي


وَقَدْ لَمَحْتُ طَيْفَ ابْتِسَامَةٍ يَبْزُغُ عَلَى شَفَتَيْهَا الْقَرْمُزِيَّتَيْنِ


فَطَارَ صَوَابِي، وَجُنَّ فُؤَادِي، فَرِحْتُ، وَحَلَّقْتُ، وَلَامَسْتُ السُّحُبَ الرَّاكِضَةَ فِي الْأُفُقِ، وَتَعَالَى نَشِيجُ رُوحِي، وَتَفَجَّرَتْ شَلَّالَاتُ الْبَهْجَةِ فِي دَاخِلِي


يَا اللَّهُ! أَنَا لَا أُصَدِّقُ أَنَّ هَذِهِ الْفَاتِنَةَ تَبْتَسِمُ لِي!


هَا أَنَا، بَعْدَ أَنْ كُنْتُ أَعِيشُ فِي أَرْضٍ جَرْدَاءَ، سَوْدَاءَ، مُتَشَقِّقَةٍ، مَسْكُونَةٍ بِالْأَفَاعِي وَالْأَخْنَاشِ السَّوْدَاءِ، وَالْعَقَارِبِ الدَّاكِنَةِ، أَجِدُ نَفْسِي فِي «حَلَبَ» الشَّهْبَاءِ، تَبْتَسِمُ لِي صَبِيَّةٌ يَفُوقُ جَمَالُهَا الْوَرْدَ وَالْيَاسَمِينَ!


أَنَا فِي حُلْمٍ، أَتَخَبَّلُ، أَلَسْتُ شَاعِرًا وَأَتَمَيَّزُ بِخَيَالٍ خَصْبٍ؟!


وَوَجَدْتُ نَفْسِي أُبَادِلُهَا الِابْتِسَامَ، فَرَفَعَتْ يَدَهَا، فَكَشَفَتْ عَنْ نُعُومَتِهَا وَأُنُوثَتِهَا وَبَرِيقِهَا وَجَاذِبِيَّتِهَا، وَأَرْسَلَتْ لِي تَحِيَّةً


وَهَمَمْتُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى تَحِيَّتِهَا، لَكِنِّي أَحْسَسْتُ بِاقْتِرَابِ «رَاتِبٍ» مِنِّي، فَتَدَارَكْتُ نَفْسِي وَتَرَاجَعْتُ، لِأَسْمَعَ صَوْتَ «رَاتِبٍ»، وَبَسْمَةً لَعِينَةً مَكْبُوتَةً عَلَى شَفَتَيْهِ، يَقُولُ:


— تَأَخَّرْتَ... وَوَالِدُكَ يُرِيدُ إِنْتَاجًا.*


«مُصْطَفَى الْحَاجُّ حُسَيْنٌ»


اِنْتَهَى الْفَصْلُ الثَّامِنُ مِنْ رِوَايَةِ «مُسَبَّعِ الْكَارَاتِ»


(يُتْبَعُ)



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

♕ بَكَـيْـتُ ♕ بقلم الشاعر : قاسم الخالدي

 بَكَـيْـتُ حَـتَّـى فَـاضَ عَـلَـى الوَجَـنَـاتِ أَدْمُــــــعْ وَـمُـرُورُ الأَيَّــامِ بِـالـهَـوَى وَبِـالتَّـوَسُّـلِ لَا يَـشْـفَـعْ ​...