الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026

♕ مقالة .. حين تسافر الأرواح وتبقى الأجساد ♕ بقلم الكاتب : مجدي السيد

 (حين تسافر الأرواح وتبقى الأجساد)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نوع الخاطرة: فلسفية وجدانيه تأمليه

الكاتب : مجدى السيد 

تاريخ النشر: 2/11/2026

الدوله: جمهوريه مصر العربيه 🇪🇬

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

ليس بالضرورة أن يكون الغائب بعيدًا، ولا أن يكون الحاضر قريبًا؛ فثمة مسافات لا تُقاس بالكيلومترات، وإنما بما يفصل الإنسان عما يتمنى أن يكون بجواره. وقد يعيش المرء عمرًا كاملًا في مكان، بينما يظل شيء منه عالقًا في مكان آخر، كأن الحياة أخذت جسده إلى جهة، وتركَت قلبه عند جهة لم يستطع مغادرتها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قد تراه بين الناس، يشاركهم أحاديثهم، ويؤدي واجبات يومه، ويبتسم حين تقتضي المجاملة ذلك، لكنه في لحظات الصمت يعود إلى عالم لا يعرفه سواه؛ إلى وجهٍ لم تنطفئ ملامحه في ذاكرته، أو بيتٍ ما زالت تفاصيله تناديه، أو إنسانٍ ترك في داخله حكاية لم تجد طريقها إلى النهاية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالغربة ليست أن تغادر وطنك وتبتعد عن شوارعه، بل أن تفقد ذلك الشعور الذي كان يجعلك تنتمي إلى الأشياء من حولك. أن تستيقظ في مدينة مزدحمة، فلا تجد فيها نافذة تشبه نافذتك القديمة، ولا صوتًا يطمئن قلبك كما كان يفعل صوت اعتدت سماعه. عندها تدرك أن الأوطان ليست دائمًا حدودًا مرسومة على الخرائط؛ أحيانًا تكون وجهًا واحدًا، أو حضنًا آمنًا، أو لحظة شعرت فيها أنك لست غريبًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والحب بدوره لا يعترف دائمًا بقوانين المسافة؛ فقد يبتعد شخص عن عينيك، لكنه يظل حاضرًا في أبسط تفاصيل يومك. تمر بالأماكن التي جمعَتكما، فتستعيدها دون قصد، وتسمع أغنية عابرة، فتفتح في ذاكرتك بابًا ظننت أنك أغلقته. وكأن بعض اللقاءات لا تنتهي حين يفترق أصحابها، بل تتحول إلى حياة أخرى تسكن الذاكرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما الفقد، فهو الحكاية الأكثر قسوة؛ لأن الغائب فيه لا ينتظر عودة، والحنين لا يجد موعدًا يعلّق عليه أمله. يرحل إنسان، فتظل الأشياء كما هي؛ مقعده، وصوته في الذاكرة، وطريقته في الحديث، لكن شيئًا خفيًا يتغير فينا إلى الأبد. نواصل أيامنا، ونضحك أحيانًا، وننشغل بتفاصيل الحياة، غير أن هناك فراغًا لا يملؤه أحد، ليس لأن العالم خلا من البشر، بل لأن لكل إنسان مكانًا لا يستطيع غيره أن يشغله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولعل أكثر ما يربك الإنسان أنه يستطيع أن يعتاد غياب الأشياء، لكنه لا يعتاد دائمًا غياب معناها؛ فقد تمر السنوات، وتتغير الوجوه، وتتبدل الأماكن، ومع ذلك تبقى لحظة واحدة قادرة على إعادته إلى زمن ظن أنه تجاوزه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهكذا نمضي في الحياة، نحمل في ذاكرتنا أماكن لم نعد إليها، ووجوهًا لم نعد نراها، وأمنيات لم تجد طريقها إلى التحقق. نتغير من الخارج بما يكفي لنبدو أشخاصًا آخرين، لكن في أعماقنا تظل هناك حكايات لم تتعلم الرحيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فليس كل من غادر قد نسي، وليس كل من بقي قد انتمى؛ فبعض الرحيل يحدث بصمت داخل الإنسان، دون حقائب أو وداع، وبعض الحضور لا يحتاج إلى جسد كي نشعر به.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وربما كانت أقسى أنواع الغربة أن يظل الإنسان يبحث طوال عمره عن مكان يشعر فيه أنه عاد إلى نفسه، ثم يكتشف أن ذلك المكان لم يكن بيتًا ولا وطنًا، بل لحظةً عاشها ذات يوم، مع إنسانٍ لم يعد في وسعه أن يلتقيه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم: مجدى السيد

جمهورية مصر العربية 🇪🇬



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

♕ على أرصفة الغياب ♕ بقلم الشاعرة : سامية محمد غانم

على أرصفة الغياب ومع رحلة البحث عن وطن تبدأ رحلتنا بالتجوال داخلنا للبحث عن مرسى في مرفأ القلوب وجدنا نفوس تائهة ومعها سافرنا إلى مرافئ أخرى...